هيثم الرواحي

عن هيثم الرواحي

هناك شيء يتغيّر فيك عندما تعيش تحولًا تقنيًا كاملًا — من أول اتصال بالإنترنت، إلى حمل العالم في جيبك عبر هاتف ذكي، إلى محادثة مع ذكاء اصطناعي يفهم سياق كلامك. هذه التحولات ليست مجرد أحداث عابرة — بل هي تجارب تُعيد تشكيل طريقة تفكير الإنسان في التقنية والأعمال والاقتصاد الرقمي.

قد عشت كل فترة من هذه التحولات — لم تكن مجرد أحداث مرّت من حولنا، بل شكّلت طريقة تفكيرنا ونظرتنا للاقتصاد الرقمي. من أولى تجاربي مع الإنترنت، إلى البناء في الفضاء الرقمي، إلى العمل على سياسات وتشريعات على المستوى الوطني، كانت الرحلة تحمل تجارب في فهم الاقتصاد الرقمي على المستويين العالمي والمحلي من زوايا متعددة — تجارب منحتني فهمًا أعمق وأشمل لكيفية عمل العالم الرقمي وإلى أين يتجه.

كان من حظي أن أعيش هذا الاقتصاد من ثلاث زوايا مختلفة: كمستهلك يتعامل مع المنتجات والخدمات الرقمية يوميًا، وكرائد أعمال يبني في هذا الفضاء، وبدور محوري في فريق تشريعي خلال مرحلة سابقة من مسيرتي، حيث شاركت في إصدار «اللائحة التنظيمية للتجارة الإلكترونية» في سلطنة عُمان، إلى جانب «لائحة تنظيم مزاولة نشاط التسويق والترويج على المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي». رؤية المشهد من هذه الزوايا الثلاث أعطت التجربة بُعدًا مختلفًا، وفهمًا أوسع لتعقيدات الاقتصاد الرقمي وفرصه.

على المستوى الدولي، عملت مع منظمات مثل الأونكتاد (UNCTAD) ومنظمة التجارة العالمية (WTO)، واطلعت — من خلال بيئة عمل كان فيها تعاون مباشر مع المنتدى الاقتصادي العالمي — على آليات تصنيف الدول في المؤشرات العالمية، وما الذي يتطلبه فعلًا تحسين ترتيب دولة في هذه المؤشرات. هذه التجربة بنت جسرًا بين النظرة المحلية والعالمية، وقادتني إلى بحث معمّق في الاقتصاد الرقمي العالمي وربطه بالمشهد العُماني.

هذا البحث والتفاعل مع كثير من الفاعلين في المشهد المحلي، أكّد ما هو واضح: الحكومة تقوم بدورها كميسّر وممكّن — مبادرات ودعم حقيقي للقطاع الخاص — والمجتمع هو من يحمل النصف الآخر من هذا العبء في بناء الاقتصاد الرقمي. لا يكفي أن نتحدث فقط عمّا يجب أن تفعله الحكومة، علينا أن نوجّه النقاش نحو ما يمكننا فعله كمجتمع رقمي ونبدأ بطرح الأسئلة الصحيحة على أنفسنا، وباختصار أن نبدأ فعلًا في بناء ما نراه ينقصنا في هذه المنظومة الاقتصادية. دراسات ميدانية وحقيقية أقرب لواقعنا، تجارب ملموسة، حراك أكبر في بناء البرمجيات مفتوحة المصدر، وفعاليات ومجتمعات مصغّرة تشكّل مستقبل الاقتصاد الرقمي في عُمان.

هذه المدونة هي خطوتي الأولى — مساحة لتوثيق ما أتعلّمه وأجرّبه في الاقتصاد الرقمي، محتوى عربي للعالم العربي عمومًا ولعُمان أحيانًا بنظرة أقرب. لأن ما ينقصنا فعلًا ليس الأفكار، بل العمل الموثّق والتجارب المفتوحة التي تدفعنا جميعًا إلى الأمام.